القاضي عبد الجبار الهمذاني

91

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد فإن هذا القول يوجب عليهم أن لا تنقاد الرعية للأمراء إذا لم يكونوا معصومين لمثل هذه العلة التي ذكروها ؛ فإذا لم يجب لأجل ذلك عصمتهم ، ولم يمنع ذلك من وجوب طاعتهم ما لم يعلم دعاهم إلى المعصية ، فكذلك القول في الإمام . ومتى دعا إلى ما يعلم أنه قبيح ، لم يلزم طاعته فيما عدا ذلك ، ولذلك كلف الإمام أن يستشير أصحابه ليعرف الصواب من الرأي ، وعلى هذه الطريقة جرت سيرة الأئمة المتقدمين . ومتى تعلقوا بالتقية فيما يؤثر عنهم فتحوا على أنفسهم باب الجهالة على ما نبينه من بعد فيما يذهبون إليه من التقية . وكثير مما قدمنا يبطل هذه الشبه ، فلذلك لم نتقص القول فيها إذ كان ما قدمناه يغنى . شبهة أخرى لهم ربما قالوا : قد بينا أن من حق الإمام أن يكون واحدا في الزمان وأنه يولّى ولا يولّى ويعزل ولا يعزل ، ويأخذ على يد غيره ولا يؤخذ على يده . ويجب على غيره طاعته ولا يلزمه طاعة غيره ، فحل محل الرسول ؛ فإذا وجبت عصمة الرسول وجبت عصمة الإمام ، وإذا وجب في الرسول أن يكون متميزا من سائر الولاة ، فكذلك الإمام ، وليس بعد صحة ذلك إلا القول بأنه لا بد من إمام معصوم في كل زمان . واعلم أن جميع ما أوردوه ليس بعلة في عصمة الرسول ، وإنما يجب حمل الإمام على الرسول في العصمة إذا بين علة العصمة في الرسول وأنها قائمة في الإمام ، ولا يقتصر على الدعوى . وليست العلة ما ذكروها ، ولكنها التي ذكرناها في كتابنا ، وهو « 1 » أنه إذا كان حجة فيما يؤديه عن اللّه تعالى فيجب أن لا يجوز عليه ما ينقض كونه حجة

--> ( 1 ) لعل الأولى ( وهي )